الشيخ محمد رشيد رضا

382

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دائمة وجهاد مستمر ، تارة يجاهد الأعداء ، وتارة يجاهد الأهواء ، ولذلك وصف اللّه المؤمنين العقلاء بقوله « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ » وأمرهم بكثرة الذكر في عدة آيات . وذكر اللّه أعون ما يعين على تربية النفس وان جهل ذلك الغافلون . روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية : لا يفرض الله على عباده فريضة الا جعل لها جزاء معلوما ثم عذر أهلها في حال عذر ، غير الذكر فان الله لم يجعل له حدا ينتهي اليه ، ولم يعذر أحدا في تركه ، الا مغلوبا على عقله فقال « فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ » بالليل والنهار ، في البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال اه فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي فإذا اطمأنت أنفسكم بالأمن وزال خوفكم من العدو فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي ائنوا بها مقومة تامة الأركان والحدود والآداب ، لا تقصروا من هيئتها كما أذن لكم في حال من أحوال الخوف ، ولا من ركعاتها ونظام جماعتها كما أذن لكم في حال أخرى منها ، وقيل إن المراد بالاطمئنان الاستقرار في دار الإقامة بعد انتهاء السفر لأنه مظنته . وإذا كان هذا الحكم مقابلا لما تقدم من حكم القصر من الصلاة في السفر إذا عرض الخوف ، ومن كيفية صلاة الخوف ، فالمراد بالاطمئنان فيه ما يقابل السفر والخوف جميعا ، كما أن المراد بإقامة الصلاة ما يقابل القصر منها بنوعيه : القصر من هيئتها وحدودها والقصر من عدد ركعاتها ، وذلك ان السفر تقابله الإقامة ولم يقل فإذا أقمتم ، والخوف يقابله الأمن كما قال في آية أخرى « وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ » ولم يقل هنا فإذا أمنتم ، ومعنى الاطمئنان السكون بعد اضطراب وانزعاج فهو يقابل كلا من الخوف والسفر مجتمعين ومنفردين إذ يصدق على من زال خوفه في سفره انه اطمأن نوعا من الاطمئنان ، كما يصدق على من انتهى سفره واستقر في وطنه انه اطمأن نوعا من الاطمئنان وهذا المعنى يلتئم مع قول من قال إن الآيتين السابقتين وردتا في صلاة الخوف لا صلاة السفر سواء منهم من قال إن صلاة السفر قد ثبت القصر فيها بالسنة المتواترة